مقالات خارجية

الشباب ومسيرة التمكين السياسي

"لعلَّ الكثيرين كانوا يعجبون مـن أن هذه الدولة تعطي المناصب الكبرى في الوزارات والسفارات للشباب؛ وكان يقال إنهم أقل خبرةً؛ ولكني أقـول دائمًا إنني أؤمن بالشباب؛ ولا بدَّ أن يتولى المسؤولية الشباب المثقف من أبناء البلاد".

حين نلتفت إلى تاريخ هذه المقولة والذي يعود إلى 26 نوفمبر 1972، أي قبل مرور عام واحد فقط على تأسيس الاتحاد، ندرك الجذور الفكرية لمنظور قيادتنا إلى الشباب وتمكينهم سياسيًا خاصة أنها جاءت من القائد المؤسس المغفور له- بإذن الله تعالى- الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "طيب الله ثراه".

لقد تمتع الشيخ زايد، وإخوانه الآباء المؤسسون، ببعد نظر، ورؤية حكيمة لبناء المجتمع وصنع الحضارة، من أهم مقوماتها الإيمان بأهمية الإنسان في صنع الحاضر والمستقبل؛ فكان الشباب هم محور الاهتمام، ومحطَّ الطموح والآمال؛ وتجلَّى ذلك في حرص القيادة الإماراتية على أن يضم أول مجلس وزاري للدولة الاتحادية مجموعة من العناصر الشابة؛ فإلى جانب سمو الشيوخ الشباب، الذين تولوا مناصب وزارية حينها، تولى عبدالله عمران تريم وزارة العدل، وعمره 23 عامًا، وتولى محمد حبروش السويدي منصب وزير دولة للشؤون المالية والصناعة، وكان عمره وقتها 28 عامًا، وتولى أحمد خليفة السويدي وزارة الخارجية، وهو في بداية الثلاثينيات من عمره. وفي التشكيل الوزاري الثاني عام 1973 تولى مانع سعيد العتيبة وزارة البترول والثروة المعدنية، وعمره 27 عامًا!

لقد آمنت القيادة بأن التمكين السياسي للشباب الإماراتي هو السبيل الأمثل لبناء نخبة سياسية إماراتية تتمتع بالخبرة اللازمة لإدارة شؤون البلاد؛ وتحقيق الأهداف المنشودة حاضرًا ومستقبلًا.

إن ما يؤكد على أن الفكر القيادي ورؤية الآباء المؤسسين لدور الشباب في بناء الوطن ونهضته أمر جوهري وأصيل ولم يكن بسبب كون الإمارات دولة ناشئة في ذلك الوقت؛ أن أضحى الشباب حجر الأساس لاستراتيجية التمكين، التي انتهجها المغفور له- بإذن الله تعالى- الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان "رحمه الله"، والذي أعلن بكل شفافية "أن تنميةً لا تشارك فيها المرأة تنمية تبقى غير مكتملة، ونهضة لا يتبوأ الشباب فيها موقع القيادة نهضة منقوصة"؛ فقد آمن -رحمه الله- بأن "الشباب هم ثروة هذا البلد، ورأس ماله الأول الذي يجب أن يُكرَّس لبناء الوطن".

ويستمر نهج التمكين السياسي للشباب بالدعم المطلق من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان- رئيس الدولة "حفظه الله"، ونائبيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم- نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي "رعاه الله"، وسمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان- نائب رئيس الدولة نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة- خلال العقود الأخيرة؛ ولعل الكثيرين لمسوا فاعلية تطبيق هذا النهج على أرض الواقع؛ إذ أضحى شباب وبنات الإمارات علامة فارقة في المواقع القيادية المختلفة؛ فهم الوزراء، وكبار المسؤولين، والسفراء، ومديرو العموم، وقادة معظم برامج الدولة الريادية؛ وذلك بفضل مبادرات القيادة التي تدعم الشباب وتحفِّزهم على تحقيق تطلعاتهم؛ والإسهام في بناء مستقبل الدولة، مثل "مجلس الإمارات للشباب"، و"الاستراتيجية الوطنية لتمكين الشباب"، و"خبراء الإمارات"، وغيرها من برامج التدريب والتعليم، والجوائز التي تهدف إلى إعداد الشباب، وتهيئتهم لتبوء المناصب القيادية.

فالإمارات كما أخبرنا صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد- حفظه الله: "تضع ثقتها كاملةً في كوادرها الشابة المبدعة والمتميِّزة والقادرة على إحداث التغيير، وتحقيق الطموحات الوطنية". وهذه الثقة أكدها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد- رعاه الله- حين أعلن عام 2023: "أن الإمارات الثانية عالميًّا في مؤشر كبار المديرين المتخصصين، وهدفنا نقل أفضل الخبرات، وصقل كوادرنا الوطنية؛ لتكون عالمية التفكير، واحترافية الأداء، وتنافسية القدرات". كما حرص سمو الشيخ منصور بن زايد دومًا على التذكير بأن: "حكومة دولة الإمارات نموذج عالمي للحكومات، والشباب جزء من هذه الحكومة وهم شركاء في قصة نجاحها"، وأكد ذلك بحديثه عن التشكيل الوزاري الجديد في يوليو 2024، عندما أشاد قائلًا: "التشكيل الوزاري الجديد زخم حكومي جديد؛ وضخ لدماء وطنية متميزة؛ استمرارًا لمنهجية التطوير المستمر في هيكلية حكومة دولة الإمارات".

وهذا إضافةً إلى التمكين في المحافل الدولية، الذي يُعدُّ جزءًا أساسيًّا من رؤية الإمارات المستقبلية؛ إذ إن تعزيز دور الشباب الإماراتي في الساحة العالمية يساعدهم على تطوير مهاراتهم القيادية؛ وتوسيع آفاقهم ومداركهم؛ كما أنه يرسِّخ مكانة دولة الإمارات وريادتها في المجالات الحيوية المختلفة. وتحرص القيادة على توفير الدعم اللازم والفرص المناسبة للشباب الإماراتي للمشاركة في الفعاليات والمحافل الدولية، سواء عبر برامج الابتعاث العلمي والتدريب المتخصص، أو من خلال تنظيم الملتقيات والمؤتمرات والمنتديات الدولية التي تجمع شباب العالم.

إن استمرارية مسيرة التمكين السياسي للشباب هي نهج قيادة، واستراتيجية دولة؛ وهذا ما أكده صاحب السمو رئيس الدولة "حفظه الله" في العديد من المناسبات بقوله: "إن الأمم تُبنَى بكوادر شبابها؛ وسُنة الحياة أن جيلًا يسلِّم الراية لجيل آخر".

سعادة/ سلطان محمد النعيمي – مدير عام مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية

هل محتوى الصفحة ساعدك على الوصول للمطلوب؟

يمكنك مساعدتنا على التحسين من خلال تقديم ملاحظاتك حول تجربتك.


قدم ملاحظاتك حول استخدام موقعنا